علي الهجويري
91
كشف المحجوب
كما اعتدت أن أفعل من قبل في مثل هذه المناسبات - إلى قبر أبى يزيد ، ومكثت بجواره ثلاثة أشهر أتعبد وأتنفل ، عسى أن يزول عنى هذا المكروه ومع ذلك فإنه لم يزل « 1 » ، ولهذا رحلت متجها نحو خراسان . وفي ليلة وصلت إلى قرية في ولاية قومس ، بها مكان يقطنه بعض مدعى التصوف ، وكنت مرتديا مرقعة لونها أزرق داكن ، كسنة المسافرين ، ولكن لم يكن معي شيء مما اعتاده أهل الرسم ، إلا عصا وركوة من الجلد ، وبدا شكلى مهينا في نظر أولئك المتصوفة الذين لم يعرفونى ، وكانوا ينظرون إلى ملبسى ، ويقول الواحد للآخر : ليس هذا منا ، فلم أكن منهم ، ولكن كان على أن أقضى الليل في ذلك المكان . فوضعونى على نجد ، وجلسوا في مكان أعلى منه ، ووضعوا أمامى قديدا ، أصابه العفن فأخضر لونه ، بينما كنت أشم رائحة الشواء ، الذي كانوا يأكلونه وكانوا طيلة الوقت يوجهون إلى عبارات السخرية من عل . وبعد أن انتهوا من طعامهم أخذوا يقذفوننى بقشر البطيخ ، الذي كانوا يأكلونه ، مظهرين مدى سرورهم بأنفسهم ، واحتقارهم لي ، فوقرت في نفسي رقة حالي واستخفافهم بي ، فقلت في نفسي : « يا إلهي ، لو لم يكونوا يلبسون لباس أحبابك ما تحملت هذا منهم » . وكلما زادت سخريتهم منى كلما زاد انشراح قلبي ؛ وكان تحملى لهذا سببا في خلاصي من تلك الغمة التي ذكرتها . ومنذ ذلك الوقت أدركت لماذا كان الشيوخ يسمحون للجهلاء والحمقى أن ينضموا إليهم ، ولماذا يتحملون ثقلهم . وهذه هي أحكام الملامة التي علمتها على التحقيق وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) هذا العمل ينافي صحيح الدين فرفع الغمة يكون بالتوجه إلى الله سبحانه وتعالى وحده بالدعاء والصلاة وجميع أوجه القربات ، وليست بالصلاة عند قبور الصالحين مهما كان قدرهم ، لأنهم لا يملكون لأنفسهم ولا لأحد نفعا ولا ضرا .